أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
213
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وقيل إنّ هذا الحزب انحلّ بعد سنة من تأسيسه « 1 » . وفاة السيّد محمّد علي شرف الدين في 15 / شعبان / 1372 ه ( 29 / 4 / 1953 م ) توفّي السيّد محمّد علي نجل السيّد عبد الحسين شرف الدين « 2 » . ويوم الأحد 19 / شعبان ( 3 / 5 / 1953 م ) كتب السيّد الصدر إلى السيّد عبد الحسين شرف الدين رسالةً جاء فيها : « بسم الله الرحمن الرحيم ملاذنا الأكبر وسيّدنا الأفخم الذي تركّزت فيه طبائع الإمامة والكمال ، وانبعثت من ساحته المقدّسة إشعاعات الهداية والتوجيه ، وتألّقت في تاريخه المجيد أضواء الجهاد في ميادين العقيدة وفي مجالات التحرّر والعمل . فديتكم بروحي ووقيتكم أَيْ مولاي العظيم . بنفسي ما أفدح مصابكم وما أعظم فاجعتكم التي أشاعت في قلوبنا جميعاً اللوعات المرّة ، وأودعت في أرواحنا الآلام الممضّة ، وما أشدَّ هولها على قلبكم الرحيم الذي صاغه الله من طبيعة الحنان ، وجمع فيه كلَّ عناصر البرّ والرحمة ، حتّى كأنّه ليس من أجزاء هذا العالم المادي الذي هو الحلقة الأخيرة من سلسلة الوجود ، بل من مبدعات العالم النوري المتجرّد عن ظلمات المادّة ، وحتّى كأنّ المبدع العظيم برأ هذا الإحساس العبقري ليكون مثلًا لما يبدعه من قلوب ومن مشاعر إن صحّت فكرة المُثُل . هذا القلب الذي اتّسع في أبوّته لكثيرِ كثيرٍ ممّن استنشق روائح لطفكم ، وتمنّع بألوان من حنانكم . يا لهفي عليه كيف يقسو عليه الدهر فيفقده أكبر أشباله ، فبنفسي آلامكم الهادّة ، وليتني كنتُ أقدر على أن أقيكم بروحي عن لوعة هذا الحادث الجلل ، ولكنّ القدر لا يردّ ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ تبارك وتعالى ولا تحويل لسنّة الطبيعة وناموس الوجود ، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم الذي شاء ، ولا مغيّر لمشيئته أن يرتفع بكم إلى المقام الأعلى من مراتب المزايا الإنسانيّة ، فزخرت حياتكم بسلسلة من العبقريّات الرائعة ، وكان صبركم الجازع - على حدّ تعبيركم الشريف - على هذه المصيبة آيةً من هاتيكم الآيات التي توفّرت فيكم ، وكأنّ حياتكم إشعاعة من إشعاعات حياة جدّكم العظيم صلّى الله عليه وآله ، وصورة مصغّرة انعكست فيها خيوط تلك الحياة العظيمة ، فلمّا فجع النبي بولده إبراهيم طبعت مثل هذه الفجيعة في الصورة المصغّرة ، ففارق فقيدنا الجليل هذه الدنيا الفانية وطارت روحه إلى آفاق أجداده الطيّبين . انتقل رحمه الله من دنيا كلّها همٌّ وبلايا إلى عالمٍ أسمى لا همَّ فيه ولا فناء . إنّه بلغ النتيجة الطبيعيّة لتكاملات الجوهر في وجوده وحركته إلى المبدأ على ما هو المفهوم من الموت في المنطق الفلسفي ، إنّه ارتفع إلى جنّةٍ عرضها السماوات والأرض في جوار أجداده من الأنبياء والأئمّة والصدّيقين جزاءً وفاقاً لما أنتجه من نتاج وتأليف في سبيل الحق ولما سهره من ليالٍ وأيّام في سبيل العلم على ما هو المفهوم من الموت في لغة الدين . وختاماً أتقدّم بتعزياتي الصادقة إلى سائر إخوتي الأساتذة الأعزّاء والسلام عليكم وصلوات الله ورحمته وبركاته .
--> ( 1 ) حزب الدعوة الإسلاميّة : 38 . ( 2 ) بغية الراغبين 350 : 2 .